سرديات

سرديات

شيىء من القلب.. 1

02:25, 2009-Mar-4 .. التعليقات 1 .. رابط

من نفق في التيه الشارد تأمرني نواياك.. ومن لجة عينيك كنت أبدأ العد لعمر حتما سيمضي.. كنت دائما أقول لنفسي { الوصول إلى البداية أن تبدأ حريتك}.. الليلة مناسبة للتيه والجو ألذ مع سيجارة تشتعل، وضيق ينفتح موالا للانتشاء، ولا أحد له الحق في الخلود إلا خالق الخلــود..أما البقية فهـــــي دائما مجــــرد عـــد، لشـــيء أسمـــه الرحيل ؟

كلنا يمني نفسه بالأفضل والألذ ولكنها الحياة هكذا فجأة، تصير مثل الصدف ، نتوقعها دون أن نعيش لحظاتها..؟

دعني إذن أدخن فوق ركبتيك ، هذا الليل فالشهية أنت، والحياة عبرك غمظة عين.. السماء زرقاء مدهشة ، تغطي كل هذا الأفق، بوشاح من الرهبة، وجو الليل أنعش وأنقى من أي ضياء لنهار ضاج،  حيثُ يقتل فيه البشر بعضه ببغضه بعدما صار سلعة، وحقائب سفر لعصر معلب بارد، وكئيب..؟ !

الليل جميل... وروعة الوقت أنت وأنا وهذا الشاطئ الممتد رملا ناعما ينعشنا كلما لامس هبوب البحر حرارة جسدينا  ..لاشيء يستحق الحياة، وقد بلى كل شيء؟ !لاشيء على الإطلاق، فالأجواء ونحن بعيدين.. مهترئة، خانقة.. لا مظاهر تفرحك، أو تُدهشكَ إمتاعا.. فقط هناك وأنت طريح نهارك البائس، مشهد هائل.. لبشر بأفواه مشرعة ،يخوض قتالا مريرا                                                                            {شعب ضد إرادة شعب..؟}

فدعني إذن أكلم حرائقي، وقد أشعلتها أنامل حاسة أجهلها تماما هي لكِ.. وأسندُ رأسي بين تدلي الليل ونمو جيدك الراهب ،وتحفز الليمون الصارخ وهدا النفق المضيء ،  المفضي  إلى الرعب والدهشة{ سبحان ربي هذي دنيا الغموض ألجها عبرك والبشر في اقتتال، في رواح، في مجيء..ا}

فل أُدخن إذن حزني ومرارتي، وأرثك قلبي تسبحين فيه مثل بحيرة زرقاء، حيث يمكنك التقاط حروفي الشائقة، من أعماق كلمات جملي المتعبة بغيابك،بجمال البوح في عينيك، بالرجاء الذي حورني فيهما سرمدا.. دعني وفقط فأنت الفاكهة التي أشتاق إليها، بأزمنة من الجوع العضال..؟؟ا

ولا يهم بعدها أن أُعلن في الناس ،أنك من جعلتني أسبح حيث ينعدم الماء والأجواء، وأن في عينيك صراحة طليقة تكسبني الحيرة كما شردني فيك نظرة الواثق من النصر.. فأنت امرأة مديدة القلب والشوق.. وهذا البحر، كأنه وطن اللجوء، وأنا مذ وعيت أحببتك بحرا وودا.. ليس لأنك أنثاي  ولكن لتشابه غموضنا ولبحر..؟؟ا

فأنت..أنت وحدك شريكتي في البحر، موطني دنياك.. ورمال الشاطئ منفى لحظة لا أكثر، إنما العمر ها كما ترين ، كثرة من الشرود واللحظات الهائفة.. لكل هذا و أكثر أحببتك وأدمنت القسم ، أن أفي بكلي لدنياك وأنت تتوجين قلبي بشرخ رقيق يوجع، ليمنحني لذة الغوص والانتعاش..؟

 

2

 

أنت.. لم تيئس يوما لتجعليني أشقى.. قلتِها بإشراقة عينيك حدائق اللوز، كذلك لم أخلق لأجعلك حرائقي، إنما آنا فقط موصول بهذا الخفي من الحنين، والجذب والطلاقة في دنياك ،أعبرها  كل حين فألتقيكِ ، وأقرأ أسفار فمك السريالية، ثم نتجاذب أطراف الحديث ، كلما أتعبتنا الغربة.. ونحن  نخلد للراحة، روحان وحدائق ريحان، على دوحة أجوبتك الراسية في هدوء فوق كل صمت أنت مانحته، لكل عشايانا الرائعة..؟



بداية السقوط.. بقلم محمود عيشونة

05:54, 2008-May-19 .. التعليقات 0 .. رابط

تقريبا لم تعد المجتمعات بذلك التماسك الذي كان ، فالمواطن من الدرجة الأولى يُبلي في طبقته حسنا ويزداد ثراء من جهد المواطن من الدرجة الدنيا ، وقد ربط استمراره بتغليف طبقته أكثر، كلما هو تجاهل مطلب الضرورة الملحة لذلك الذي دونه. وهكذا دواليك تستمر السلالة وتزداد المعاناة ثباتا، وتتسع الهوة الفاصلة أرخبيلا من الكرامة الإنسانية المفقودة ،  جراء فكر سائد والذي هو باختصار من اختراع طبقة المتحكمين بزمام الأمور الثقافية والسياسية والاقتصادية.. ومن هنا وجب الدعوة لوعي إنساني جديد، يبنى على النقيض من  المعاش والمثبت حاليا كفلسفة حياتية واستمرار حضاري ، وترسيخ لقيم حياة يراها أصحابها مذهبا  راسخا بخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، متظاهرين بالقوة  والشجاعة في طرح كل هذه الأجوبة لأسئلة لم يتفوه بها أصحاب الاتجاه الآخر، ولم ينتبهوا حتى لوجودها ، بعدما أغرقوهم بسيل من متطلبات الحياة كما يراها هم.. أي أصحاب الاتجاه الأول

 

.. طيب إذا سلمنا وتركنا أمورنا لحالها فالهالك هو الإنسانية  وكل مظاهر الحياة، لأن الناتج عن وعي الطبقية المسلم بها حاليا هو المزيد من التفسخ واللاحب واللاتفاهم ، والأكثر من ذلك موت الحماسة وذوبان روح التآزر ونمو روح جديدة  مبنية على الحقد والانتقام والشر؟؟.

باختصار حان الوقت وقد فاجأنا هذا التوقف في المفترق ، وعلينا كحضارة أن نقرر أي الطرق علينا أن نسلكها، بعدما تبين لنا حجم ماقترفناه في حق الروح الإنسانية الحقة من جرائم وويلات ومفارقات باتت جلية للعيان.. ولكي أكون أكثر وضوحا دعني  أوضح لك بعض هذا الذي أقول، دون أن أصدع رأسك بكثير الكلام، ففرصتك الصغيرة المتاحة حاليا، هي أن ترفع رأسك كي تتحدى ما جعلوه يبدو لك ممكنا وواقعا لا يجب الحياد عنه، وقد حشوا رأسك بالكثير من النظريات.. كانحصار طبقات الأزون وذوبان الجليد في القطب المتجمد.. وارتفاع أسعار الذهب الأسود والأصفر.. وتنامي ظاهرة الهجرة وانحصار الأفق ، وما إلى ذلك من سلبيات هم وحدهم من ابتدعها.. حتى يجعلونك طرفا في الأزمات العصية التي أوجدوها هم وحدهم دون إشراكك في القرار.. ولأن هلاكك ضمن الكل إن أبقيت الأمور على حالها نتيجة حتمية لما يقترف في حق الوجود ، فإنه من حقك التحرك والبدء في إنتاج فكرك الجديد المبني على معارضتك لما تراه مضرا بوجودك ككائن يتمتع بالحياة والكرامة..  ومستقلا بوجوده. مالكا لعقل ومشاعر وذات خاصة ، تتحرك ضمن هذا الكل المتداخل والمشترك في نتيجة ما تؤول إليه نهايات ما اتخذته تلك الأقلية. أو الطبقة التي دائما تنصب نفسها حاكما ومسيرا لأمور الأكثرية من الناس..  الآن يبدو أنك بدأت تستوعب فكرة أن تحيى محافظا على كرامتك مستقلا بذاتك ومشتركا في الوقت نفسه مع الكل ، في تحديد مصير نهاية الأمور..التي كان من المفترض أن نشترك في اتخاذ قراراتها كلنا، بدل تلك الطبقة المسيطرة أو الحاكمة أو المتسلطة في أغلب الأحيان..  إذن بناء فكر جديد مبني على روح التعاون والمشاركة هو مطلبك الآن ، من أجل زوال كل مظاهر العنف والفقر ومشاهد الحروب التي تدور رحاها في كل بقاع الدنيا، وتدفع أنت وأنا ثمنها ، لأننا رضينا بأن نسير ونعيش هامشين ، رغم إدراكنا بحجم الخطأ الذي نرتكبه بحيادنا المشبوه.. خوفا من أن نخسر الحياة .. والتي هي في جميع الأحوال مهدرة ، لأننا ببساطة لم نلتزم بقواعدها ورسالتها ؟ ! نلتقي.



أشواق عابرة للقاص: محمود عيشونة

03:08, 2008-May-17 .. التعليقات 1 .. رابط
وأهيم في شوارع ذكراك وعبر أزقة رحيلك الفاجع الصامت.. كتيار هوائي فوق غدير ساكنة يحدث غيابك زغبا في شرود الروح. ولبرهة آمل أن يكون كل هذا مجرد تشويش لن يطول..؟ أهيم حاملا حزني وشقائي ومظروفاً لشداك..العالم لم يزل يمضي غير آبه لا بشقاء التعساء ولا بسرور موفوري الصيد.وأنا بثلة من ذكرياتي الخوالي ..وبقايا آثار لقبلاتك المطبوعة على آخر بطاقة بريد أرسلتها إلي على عجل، أهيم.. منقبا عن شقٍ أخضر عَبَرَ صحراء القلب ،أحدثته أنوثتك الشهية ذات عمر.. وخبأتُ فيه كل ما كان بيننا من شوق وعشق..فجأة وحاصلا لكل الذي كان، تَعثُُر عَلي نظرتك العميقة تلك وتعْلقُ بالقلب سرمداً.. ومن جديد أستحيل إلى رجل لا يعيش كفايته.. لا ينام ولا يتنفس إلا بمقدار..؟ الوجوه ..كل الوجوه التي أصادفها الآن عبر شوارعي. وأثناء مواعيدي وطقوسي تموت.. آه تموت دونما رغبة أوشدود.. فقط تعبر شجية وبائسة لتغور كالأحاجي في قسوة المر من المعيش..؟ وماذا برأيك يتردد في أصقاعي الآن وقد انزويت شطر غربتك القصية،بعيدا عن حدود الشوق ووخز العتاب اللذيذ..قبل أن يداعب ثغرك الجميل أي إجابة، دعني فقط.. أستردٌك للحظة ..وأسحق البائد من العرف..دعني افتح ذاكرتي لأطلعك على جديد غربتي..وقد فككت أغلال القبيلة، كي أذيب شمع الخفي من أشيائنا الصغيرة..وأضيء للقلب تلك الشكوك بوجود الغلط..دعني أخرج لك أشيائي كما هي عارية كأسماك الأعماق البيضاء..وأصدِقك الإحساس أنه لاشيء في أصقاعي غير كلماتك الندية ، عن الحب وأشواقه العابرة.. وكذا أمكنة ألفتنا وهجَرتْها القبيلة.قسراً وعنفاً واضطهاداً..؟ الآن في غربتك القصية يبعدنا كل هذا المستحيل.. هل تدري أن صدى كلماتك ودغدغة الهمس في أذني، هي أمل الحياة الوحيد في بقاء الوجود..؟ وأن صورتك بهذا الشحوب هي الألذ جمالا والأطيب رائحة والأخف وقعاً..كنت دوما أكره أن نفترق كلما التقينا.لذلك بدت لي زرقة البحر في ذلك المساء شهية .والاسترسال عابق بموسيقى الأصيل ورائحة العناق لم تزل آهة تحول بيننا والفراق..كانت نبرات صوتك وهي تشق القلب وتعثو نشيجا بالروح،حالمة وممتلئة . وكانت ثمة نوارس تنشر أجنحتها للريح وقد حلقت عالياً في البعيد . وكذا أسنان حادة لأحراش بحرية نبتت كالفطر، فهي تبعثر نفسها على امتداد الشاطئ، بنية وسوداء . والموج يصفعها بعنف حينا فيلثمنا الرذاذ. وحينا برفق فنسهى.. و.. وحيدة.. وحيدة.. نقوم.. متلاصقين نمشي.. وببطئ نصنع المشهد الجلاء. لنغادر على نظرة عتاب .. وقد بثها البحر في كلانا.. أنت وأنا..ترى هل كانت نظرته تلك حنينا إلينا، أم هي فقط رعشة المساء فاجأتنا بما بدا لنا حنينا أوماشابه، لكثرة ما اقترفنا من عناق..؟ آه.. لو يقلع القلب عن ذكرياته لاسترحت.. لو يجعل الأحاسيس فقط تصمت.. ولكن كيف وعلى وجه المساءات ، لم تزل رائحتنا تنط. وحكايانا تتحَنط لتَتَرسخ أكثر..والدفئ الأليف الذي اعتاد على جسدينا، تلك النظرات لجسدك الخصب الجبار. جسدك الذي يعلم أنني أعشقه.. آه من زلازل الذاكرة. وإصرار التقاليد ..وتعاطف النظرات والخلط بين الواجب وما يجب..؟ كنت دوما أكره السيناريوهات المفبركة للعشيرة واستماتتهم في الدفاع عن عرض ..هو في الواقع اغتصب من زمن بعيد ..عن أي شرف وأي عرض تتكلم العشيرة.. وأرضها مغتصبة وقلاعها مرتع للغدر والرذيلة..؟ يبدو أنني مازلت أحاول أن أدرك ماذا أريد بالضبط.. ولماذا ترهبني أبهة الأنوثة فيك أنت بالذات ..ولماذا لاأقدر على إطلاق سراحي من ماضي معك رغم عنف الرحيل..؟ لماذا لأستطيع نسيانك.. وأنت التي ببساطة رضخت سريعا لإغراء البريق، في خاتم الخطوبة المقيدة بكثير من العادات البائدة. المرصعة بفلكلور المناسبة التي لا تفتأ تتكرر باستمرار..؟ البرد لا يطاق على شاطئ الذكرى. ولكنني سأجد وسيلة أُدْفئ بها مشاعري على الأقل..فقط المشكلة أنني أواجه الآن ما يشبه اليقين.وانك بالفعل تلهبين جسدي بحضور واثق, اقتربتُ منك وبتلهفٍ خبير قلتُ اقتربي.. البرد قارس..لا ..لم تنبسي ببنت شفة ولكنني أحسست أنني أمتزج بك.. وأنك لو تكلمت لا انبرى العالم عم يستحقه بالفعل..؟ لا .. يجب أن أدير قلبي عنك الآن وأبحث له عن مكان آخر أكثر طهرا .. مشكلتي أنني عاجز عن أي لقاء مع الآخر, عن أي تبادل للغة. غير قادر حتى على الرغبة في التقارب مع الناس. صرت أخشى خيانة الكل. لماذا لغة العصر صارت نفاقا وأكثر زيفا من أن تصدق مع أحد..؟ اللعنة .. مرة سألتك كيف تحدثين لي كل هذا الإدمان ، وأنت بعد حديث الشفاه..كيف أصحو من ليلك لو أنت قررت الشرك بحبي..وفي يوم آخر، كانت لي جلسة تأمل مع صورة لك ،مسروقة من لحظة مرح، كنت تبدين فيها رائعة وعلى سجيتك تبتسمين في براءة غير متأنية ولا مصطنعة، قلتُ أحزان جيجل أشد وأقسى على القلب من غربة المنفى..وللتو بدأت أشعر بالخوف الذي يحسه المرء وهو على مشارف ، أن يهلك دونما من أحب.. وبتأمل مريع لما يمكن أن تحدثه حركة غير مدروسة منك، اكتشفت أنه بالفعل.. أسوأ ما في المرأة أننا دائما بحاجة إليها.. وفي جيجل كما في غيرها ، عليك أن تكون واثقا من ثرائك وزيفك وسلطانك ،حتى يتسنى لاامرأة أن تخلص لك ولو إلى حين.؟ أوه.. هذا النفق من البرد والوحدة متى ينتهي..متى تصطف الأيام الحالمة وتدعوني من جديد إلى عشق الحياة..وقد ملأت برحيلك كل وجودي بالبؤس. والرغبة في تقيئ ما تبقى من أمل وتصنيفه ضمن مهملات الأيام..أنت امرأة مديدة الشوق عنيفة حين ترغبين في البكاء..مرة سألتك إن كان بإمكاني تركك والبحث عن ممكن لأتعابي وسوء طالعي . رفضت بحجة أننا أكثر إلهاما و أننا أكثر عزما ،من أن تفرقنا مأساة الفقر الذي بليتُ به.. وهوة اللامكان التي أحدثتها أروستوقراطية تفكيرك الجديد.. لا.. هذا غير ممكن.. هكذا بكل ما حوت الكلمة من رفض وصدق، اعترضت على مقترحك بأن أتحول إلى رجل فقط يسقي جسدك ويرعاه..؟ ثمة أمور وأشياء صغيرة يحتاجها الإنسان كي يستمر في الحب. ثمة كوامن يجب أن تُحرك حتى تجعلنا اللغة، نتقن فعل المجازفة ونتواصل في وئام.. بدون اللغة لا يمكننا أن نعرف في أي زمن نحن نقيم ..ولا في أي الجهات من الجسد يمكننا أن نأخذ نفسا لباقي الرحلة.أذن أزِفت ساعة الفراق وأنا امرأة انفعالية وعنيفة الطموح..غدا عند المساء لا يمكنك العثور على رائحتي ، بصدق ظننتك تمزحين ولكنها كانت نهاية علاقة،بطقوس تشبه العبادة..؟ على كثير من الحنين والرغبة افترقنا . وكانت كل الكلمات التي تفوهنا بها فيما بعد، مع الذات والأصدقاء. امتدادا لخسارتنا ممزوجة بذبذبات ولدَت لدينا شعور عنيف بالندم والنفور.. كان الوقت يمر بطيئا رتيبا. وكنت تكبرين داخل حجم خاتمك السجن، مرت سبع سنوات وأنا بعد ملفوفا بسحابة كآبتي ووحشة مدينة لا تمنحك الأنس ..مدينة اسمها جيجل ..طوال تلك السنين لم اقل شيئا يستحق الذكر، خشية أن يساء فهمي ..وأنا الذي عجبت جيجل من إقامتي فيها دون تأشيرة حب..؟ ولا ثراء يمكنه أن يشفع لي لدى أعيانها فيقررون منحي رقعة أرض ،أقيم فيها طقوسي وأشيائي الصغيرة.. لماذا أتمنى الآن أن أهجر هذه المدينة بفجائية كما جئتها.. ولماذا لاأقدر إلا أن أحبها.. مرة وأنا أتقاسم معك قلق رغبتك في التخلص، من عناء وحدة سريرك المهيأ لمكان واحد.. أقسمت ِ أنك لن تتركني مهما حصل.. قلتُ ولو فرضت عليك جيجل حصار تقاليدها.. أطرقت وبتهكم قلتِ نعم.. حتى ولو فرض الكون برمته حصاره علي ..لن أتركك.. بعد ذلك سألتك إن كنت تفضلين الإقامة معي في بيت من صفيح.. اجل سأفعل قلتِ وفتحت ذراعيك لحضني.. أخذنا حماما جسديا دافئا وافترقنا ، ليمضي كل منا مكتشفا للحظة التمهيد لليتم. والغربة. والضياع.. ؟؟ سبعة أعوام في رصيف التشرد والضياع ومحاولة الهروب من إهانات الذكريات..ورعب بيوت الصفيح. والقطيعة مع الحياة ..سبعة أعوام عشتها منقطعا عن الناس مغمورا بمخلافات الرعب .. مؤسف جدا أنكِ طيلة الوقت كله..كنت لاتفهمين معنى أن تكوني فقيرة وبلا أثاث، يصون عزة نفسك..؟ آخر مرة كتبت فيها حروفي على ضوء أناملك ، كنا على باب الفجر..وكنت ندية من شعرك إلى أخمص قدميك ، بعد ليلة جيجلية موفورة الصقيع..و مسروقة من أرشيف الحصار والتعنت.. على الرصيف المقابل لأسمنت بيتكم ..سألتك إن كان بالإمكان قضاء ليلة أخرى.. ولتكن مسروقة من زمن عمرنا إن أرضت، دون تردد ضحكت من قولي.. واعتبرت الفكرة نكتة.. ضحكتِ ومشيتِ ..وسرتُ إلى جانبك نصف مسرور ، لأنه كان بإمكاننا أن ننسى.. فالعمر بعد غض، وأيامنا لم تزل طرية، كنا نتعلم لنكتسب خبرة الانتكاسة.. ووحشة الغربة..وجس نبض الضياع ومعايشة عويل الفراق المرير..؟ نعم هكذا سارت أمورنا كل يوم.. لا هي سارة كفاية.. ولا هي موحشة وداكنة.. وكل تلك الأسئلة المقلقة، التي كنت أسألك إياها.. عن إحساس الورد.. وكيف يجعل الدم في القلب يرتعب، لسماع لفظة الغربة.. كانت خلاصة لعصارة فكرٍ واع ..بصدق كانت تشوقني جدا إجابتك .. وردة فعلك الحذرة تلك.. وأنت تحاولين التقليل، من أزمة إحساسي بالخوف على ضياعك، أو سرقتك مني ،لآيهم شكل الشيء.. مادمتَ ستفقده.. كنتِ دائما تقولين دعك من هراء الاسترخاء..وقل شيئاً آخر، غير نحيب تصور النهايات المؤلمة.. وكنتُ دائما أقبلك ملء شفتي وأقول .. إنها فعلا نهايتنا لا تفتأ تستفز هدأتنا المرحلية.. وعلينا أن نقبل مصيرنا، مهما قالت تلك الحكاية القديمة { بأن الذكريات سوف تبقى.. وأن اللحظات وحدها الذاهبة إلى نفق الصمت المميت..؟ } نضحك.. و من جديد نعود لننخرط في حوارنا الصامت..؟ الآن وأنا هنا أبحث وأتلفت.. أتسائل لماذا أنا هنا .. كيف انخرطتُ.. وكيف استقلت من حياتك كلية..ولكن أجدني وحيداً وبلا أجوبة..وأن النحس الأسود.. وحده يقذفني من يوم إلى آخر، بلا هدف أو مرمى.. أهكذا هي فعلا أيام الحياة مجرد تراتيل بكماء..؟ تخفت أوجاع الشهيق داخلي لفترة، دون أن تتوقف كلية.. وتمضي التنهدات متقطعة وأكثر حرصا على جعلي أشهق وأنا أصاب بنوبات عصيبة جراء ضيق تنفسي ..مرة بسبب رحيلك . ومرة بسبب جيجل المدينة التي أحببتها وأهانت إنسانيتي..؟ حين تفقد من تحب . وتهينك المدينة التي تقيم فيها.. فإن وجودك يصبح تهديدا للحياة نفسها. ويصير إحساسك باللاجدوى صدق لامثيل له .. وتمسي اللحظات أو الأيام والسنين تشابها مطلقا..إن الرعب الذي يحدثه فراق متحابين ليس الرعب نفسه الذي يظل الإنسان يعرفه مدى حياته .. حيث وعلى مر البعاد ستضل تفقد شهيتك للأشياء أكثر فأكثر..؟ا لقد استمتعت بزماننا العابر والقصير في ذلك الماضي البعيد ، حيث كنا نتحدى معا قيود مدينة تحضر العشق. وتقيد الإخلاص بأعراف شهوانية وتفكير متحجر..وشارات في كل زواياها تستفز إنسانيتك .. صارخة في وجهك ..كم هو ثمنك..وهمس يملأ جلسات السمر ومجالس الأعيان، يستفسر عن جنسك ولون بشرتك ولكنة لسانك.. لقد سألتني ذات يوم إن كنت سأبقى وفيا لمدينة تهينني من أجل ذكرى حبنا . وكنت قد أجبتك حينها بتأكيد شره .. نعم سأبقى حتى وإن استحلتُ إلى عراء فضيع..لأنكِ كنت بالنسبة إلي أدفأ كساء ارتداه امرئ على مر الأزمان..؟ حتى وإن تمسكت كل المدينة وأصرت على المضي في الخطأ نفسه الذي اقترفته الصحراء قديما..فإنني أنا فقط من سيتحدى ليثبت لعقلية العشيرة مدى جلدجيلنا. وقدرة عقله على تميز الأشياء. و تمسكه بخصوصية حياته..؟ أنت لا يمكنك أن تخذل رجلا باع لأجلك متاع شبابه.وأفنى أحلامه في تصورك امتدادا للإنسانية الخالدة..؟ سؤال كنت طرحته عليك بكثير من الحدة والشك..واكتفيتِ بابتسامة أنثوية لذيذة دون أن تفصيحي إلى الآن عن فحواها الغامض.. ولم تلوي على البقاء حبيسة حوار عاقل ، بل قلتِ اليوم حب وغدا أمرنا بيد الغيب . فلماذا نفسد جلسة حب بنقاش عاثر قد يجعل هوة الاختلاف أكثر شساعة..؟ ولصراحتي المفرطة وثقة العمياء في إنسانيتك قلتُ.. حتى في أمورنا الصغيرة وكلما كان الموقف منطقيا تجعلين من الدين والإيمان حجة للهروب من قلق الأسئلة المحرجة. لماذا لاتقريري مصيرك بيدك بدلا من الهروب غير المجدي نحو هوة المجهول.. أذكر أنك ارتبكت.. وركبت موجة جنونية وهربت من منطق وواقعية أسئلتي. وانصرفت ساخطة على قدرك ملقية كل اللوم على جهلي بثقافة الحب.. دون أن تدري أن الحب نفسه كان سيطرح نفس أسئلتي ..؟ في اليوم الموالي باكية تهالكت على صدري وأجهشت بالقول.. معذرة لقد أخفيت عنك أمرا ماكان يجب علي أن أخفيه.. هناك من تقدم لطلب يدي والكلام في الجوار يتكاثر أخشى أن أصير عانسا إن رفضت ..علاقاتنا علنا لابد أن تتوقف ، بإمكانك أن تلقاني متى شئت بعيدا عن كل هذه الأعين الهامسة، فلا يعقل لفتاة مخطوبة أن تتسكع على مرأى من العلن مع رجل هو في نظر الناس مجرد غاو..أحزنني ذلك كثيرا وشعرت وأنا أجر خطى العودة تعبا وذلاً، أنني غريق موت فاجع..وأن أسرابا من العثرات تتربص بي، على مدى أيامي ولحظاتي الآتية..؟ا مؤلم جدا أن تموت رغبة المرء لحظة ميلادها..أما المدهش بإضافات موجعة أن يواجه المرء قدره باحتياله على مشاعر الغير بأنانية مفرطة..لذا وأنت تحاولين شدي إلى صدرك، بعد عناق عابر وبارد..لم أحس سوى برغبة تقيئ ما عشناه من زيف..وأنت تردفين، ستظل رجلي الخالد ومنفى كل أشواقي، حتى وإن ارتبطت بغيرك.. ولكن هذا كثير علي ..صعب ومؤلم أن أطعن في الظهر أجبتك.. بعينين غامضتين نظرت إلي ..وبشك وارتياب أثَرْت الصمت .. لم أشأ إخبارك أنني لم أدرك قصدك إلا في آخر يوم..سرت فيه إلى جنبك مطرقا لآلاف الفرو قات التي تنامت بيننا مند إعلانك هجر واقعية ظروفي .. لم تقدر على هضم فكرة {أنني رجل يعيش لهدف أسمى من لعق جسد يتشهى..} صرت في نظرك مجرد رجل ينهشه الغباء.. آلمني كثيرا تصورك هذا وعَدْوُك المثابر نحو أول زلة قد تبدر مني .. كتمت إعيائي وتعبي وواصلت أحبك لذكراك لاأكثر ،مأساتنا أن نحب لأجل رغبة سجنتها الأعراف وعادات القبيلة. وَ الأَمَرُ أن نخلص لشهوة عابرة.. الحب أكبر من أن يباح به، شيء لا يمكننا رصه بالكلمات ، أرأيت لا يمكننا أبدا تحجيم هذا الذي نحس ، يجب أن نلقاه كما يجب، شيء من الروح وإلى القلب..؟ أنت فكرت بعقلية القبيلة نفسها التي أباحت كل ما هو في السر. وحرمتْ علنا حبا طا هرا عفيفا.. كل ما عاد يهمك هو متعة الجسد ورنين الجيوب وإنكار الآخر. وأحس أنني قريب منك يدي بيدك وأشواقنا تتعانق على مرأى من ليل القبيلة. ونظراتنا تتحدى فقر التعابير الصادقة، لسارقي المتعة وهم متسترين بظلام السر..وكأنهم في مبتدأ الغاب..؟

الخبز المستحيل,,بقلم: محمود عيشونة

03:01, 2008-May-17 .. التعليقات 0 .. رابط
إلى أن نلتقي.. لك كل الممكن جسرا.. قد نعبره.. وقد تسبقنا للعبور.. الأكيد أننا سنعبر.. أما الأهم فكيف.. ؟؟ أسئلة أمضي اليوم والليل.. في شحذ أجوبة لها.. كي تكن ممكنة التحقيق.. وفي كل مرة أجد الجذوة ذاتها.. لا جواب.. لممكن أسئلتي..؟؟ من سيعبر ..ومن ستسبقنا قال صديقي.. هي واحدة لا غير يا حبيبي.. أجبته بكثير من الشك.. وهو الذي ظل طيلة حياته يقرأ الأحداث، من موقع المتتبع العارف.. بخبايا الأمكنة وما يمكنها أن تفعله، لو هو تقاعس في بحثه عن أدلة تنصفه، إن هو تعرض للاستنطاق.. وما أكثر المستنطقين في عالمنا اليوم..؟ ! فالأخ في البيت، يستنطق أخاه.. والشرطي في الشارع.. وحتى في بيت الراحة، يستنطق الرجل الشعبي.. والأمريكي يستنطق العالم.. وإسرائيل، تستنطق الجميع، بوقاحة أمريكية.. وهلم جرا.. لو كانت وحدها في ساحة الأحداث، لما كتبنا هذا الكلام.. ولكن الساحة اليوم تعج بالفضوليين ، الحاملين لبذور الفتنة والباحثتين عن أرض مستباحة لزرع بدورهم.. لما لا.. وهي تنبت دوما.. وتهيج زرعا ، في أرض العالم الثالث.. وأرضنا العربية بالخصوص.. إن المتتبع للإحداث في الوطن العربي، يكاد يجزم بأنه عالم مجنون ..هذا الوطن الكبير الذي يتكلمون عنه كثيرا، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الفعل.. ولو فعلو لصدقوا شعوبهم على ما وعدوها به، من قوة.. وعز.. وحصانة من كل سوء.. ومن كل دخيل على عالمهم.. حاملا شره وفتنه.. دون رقابة ولا مسائلة من أحد.. فقط تكتفي مخابراتنا وأنظمتنا العربية، بمراقبة شعوبها التي هي منها.. لا لشيء فقط.. لأن الشعوب تبحث عن كرامة مفقودة.. وخبز بات في كثير من الدول مستحيلا.. وحورية ..أسيرة تسلط عابث.. إذن لابد تتكلم عن جارتنا ..قال صديقي.. يقصد دولة عربية أخرى.. وهو العارف أن الجارة تعادينا فقط ..بسب ما زرعته الأخرى.. المسكوت عنها في عرف النظام العالمي الجديد.. وهي التي تصول وتجول في يومياتنا.. تقتل تارة.. وتفرقنا في كثير من الأحيان ..وتهدم أخرى.. ما بنيناه من قيم وإنسانية، على مر العصور والأزمنة.. مبرزة لكل العالم مفاتنها التي لا تقهر.. وغوايتها التي لانهاية لها.. فهي التي قتلت أطفالنا في كل مكان.. وشردت أسرهم..ونفت شعبا أعزلا.. إلا من إرادة وإيمان بعدالة قضيته..لتظهر نفسها للعالم أنها الضحية ، بفضل صناعاتها الإعلامية.. ومصادرها التموينية.. والتي بلا شك، هي من خيرات أمتنا الغافلة.. إذن أنت تعلم الآن يا صديقي.. كيف بات يفكر العالم .. كيف تسير السياسة.. وكيف يخطط الساسة هناك في غربهم القصي.. وكيف يفكر ما في عالمنا الثالث من رجال استولوا على السياسة.. فبات جهلهم لفن الكياسة، لعنة تصيب الجميع.. وتقتل البراءة فينا .. الحلم وعزة النفس.. وهيبة العربي أينما كان.. وتدفع النخبة منه بعيدا رياح التسلط، نحو المجهول.. ونحو الاغتراب.. والتشرد في دهاليز حلم ملغم.. وعز ضائع.. أنت تدري أن وزيرا في اليبان أخطأ التقدير .. فتاب لتوه واستقال.. تيمما بأخلاق كانت لنا وضيعها الساسة.. فبتنا نحن بفضل ساستنا كل السبب.. وليس جزئه.. وقريبا ستتهمنا القوة العظمى بانتهاك حقوق المواطنة لأننا ننام.. وقد تطلب من ساستنا تسديد فاتورة أكسيجيننا ، ماداموا يسعون لديها في كل مرة.. طالبين التقرب والتودد.. ناسين شعوبهم وسط أمواج الحر والقر.. بين مخالب الجوع والضياع.. و كل متكتل ضد الكل.. لم يبقى لهذا الكل الذي هو نحن.. سوى التعلق بالأمل.. مجرد أمل.. ربما غدا يطلع فينا وعي بالمصير.. ربما يوحد صفنا رجل رشيد..؟؟

الراحلة..

02:58, 2008-May-14 .. التعليقات 2 .. رابط

قصة قصيرة:

 

                                                         الراحلة..

 

 

إذن وبعد عناء كبير ، هاأنت تعود صعدا إلى قمة النكهة، حيث تلقي الشمس بأشعتها ذهبا متسللة بتؤدة إلى كل قاع، بين أغصان الزيتون وعبر المنحدرات الجبلية المتربة، ذات الضيق والعناء، وحيث الغدران الواسعة التي تسر خوالجك دائما، والصباح البهي البارد ، والأسماك وفيرة العدد التي تتكاثر كلما ابتعدت في الوادي وشارفت غدرانه العظيمة، المنزوية في البعيد، بنية اللون حاذقة، حذرة ماهرة أنيقة وهي تقفز، أو تسبح في سكينة ودلال، غريبة أحيانا بفوضاها وطقوس الرقص.. 

الغدران زرقاء تُغري، وحواشيها الظليلة تُلامس قدميك الحافيتين، هي.. هيا أقفز يا رابح . لن تمضي إلا لحظات ويألف عري لحمك الماء البارد ،  ستدثرك الرعشة ويغمرك الدفء حالما تغطس ، هيا لا تخف.

ولكنك ضللت ماض في عنادك ولم تقفز، منتظرا منها مزيد الرجاء ، وقد أوقعتها أخيرا فيما يشبه الاستجداء .

ليلى في صباحات طفولتها هالة من جمال متكبر، زادها روعة سحرها الغامض ، وأنوثتها النهمة ذات الشرود والبداوة الظريفة.  لم تترجاك ،  ولم تستجدي أكثر، وبحرص البدوية المملوءة بالخشية قذفتك من دبر متعمدة إسقاطك في الماء، وبعنفوان المحب الخائف وَلِجَتْ ماء الغدير البارد ، ولوج الأنثى وارفة الدلال تاركة للريح مهمة نشر أشرعة الشوق للماء؟ وزحف الشعر الأسود الغزير فوق ماء الغدير، خلف جسد ليلى الرشيق ، ملامسا شطوط  التموجات الصغيرة للماء، التي تُحدثها حركة الأصابع الدقيقة  كلما تقدمت في سباحتها نحو الزرقة الداكنة لوسط الغدير، ذات القعر المغيب في ظلام الأعماق؟

ماذا يمكنك أن تفعل غير مباغتاتها من تحت الماء والإمساك بلحظة سعادتكما ، فالوحدة مؤلمة وفرص اللقاء ليست بالوفرة التي يتخيلها الناس،حيث تبرُج المدن وعري الحياة، لم تكن تعرف ولكنك تعلم جيدا ما سيتهدم لو أنت أخطأت الوتر العازف ، وأربكت إحساسها  بكيانها الخاص ، المستقل .. في صمتٍ غُصت في الماء  مُستغلا انشغالها بجمع خصلات شعرها التي أربكت بصرها، من تحت الماء فتحت عيناك ونظرت نحو الأعلى ، لم تر شيئا عاديا، فالمنظر كان بياضا يسيل ، كان جسدها بضا يتدفق خجلاً ، ولم يكن بوسعك من شيء تفعله ، غير إمساكك بيدها الطرية الساقطة لتوها في الماء ، لتصعد ورأسك تخبط يُمنة ويُسرة ، ولسانك يردد. امسكتك يا ليلى، امسكتك..

تداعت طفلتك لنداء النجدة ومالت عليك في سهو وشعرها يُغطي أجزائك الطافية فوق الماء  في مشهد حنان مسرف ما لبث أن خفُت ، وكان الصباح في الوادي باردا ، ولا شمسا غمرته أشعتها بعد. لست وحدك في الوادي.. كانت إلى جانبك وشعرها المتداعي ، الغدير والعصافير الصادحة غير بعيد، وخرير الماء موسيقى مألوفة ، نادرة تُرددها الأرجاء وأجراف الوادي البارد السحيق..

تلك مفارقة أخرى حين انتهيت وحيدا إلى قفار الضجر والهواجس ، لا رفيق يُزيل عنك غُبن اليتم المتفشي في الصدر، وامتلاء لحظاتك بالألم . لا أحد رفقك ويرافقك عبر الرحلة الطويلة المضنية غير مسفات الغربة ، كنت وحيدا تُصارع أهوال المد والجزر ، والآن وحيدا وجهتكَ سداً، والمبتغى مهر التفاحة الجبلية اللون والرائحة. لا أحد أوصلك إلى بر النجاة وأنت تُصارع الممر المزروع بالعثرات، بالأشواك والأشواق، عانيت وحيدا وكافحت وحيدا، وهاأنت أخيرا تصل وحيدا، لتجلس عبوسا قمطريرا على هضبة هذا المساء الشاحب ، حيث الشفق  يُحدق في المجهول كأنه الدائرة الهشة ، والجبل شفرة مدماة تضطجع طولا ، والسواد يلُف ما تحت القمم العالية..

 

وحيدا ويحك وصدى الليل حفيفا تُحسه يسري ، مثل الدم يتدفق في عروقك شدا الأزهار المتعانقة على ضفاف الوادي ، في غموض يصلك همسها ، وفي صمت مطبق تستنشق عِطر عسلها المصفى ، في حين يرسم المغيب حزنه شفقا يتدلى.

الماء البارد العذب له طعم الأبدية، ورائحة النقاء في جريانه وانسيابه بين شقين . كلها أمورا تُذهلك ، والبياض الذي ما بين تفجر الماء ومصب الشلال إنه الجدوى بالنسبة إليك ، هو موقفك الثابت من الحياة، حتى وإن ظللت شامخا في معاناتك كالطود العظيم فالإصرار يسكُنك كهذي الذكرى المولعة بالإغراء، ويحك؟؟   سال لعابك لذكراها وأنت وحيدا، وحيدا يا حسرتك. يا شجر الزان السامق، يا زرقة الماء ، يا أرض التفاح الجبلي أحبيه كما اشتهاها واكتفى؟؟ فلا شيء يبتغيه الآن غير المجيء إلى أرضها البكر ، حيث شهد ميلاد أول حب وآخر تجربة اشتهاء. تائها في غربة شائكة وحزن غريب.

 

اختلس النظر يمنة ويسرة، مر في ذاكرته شريط العمر الدامي البليل، و عبر ثُقب في غيابات السهو الذي يسكنه ولِج شقاءه المزمن . وأقفل عائدا إلى أيام الذل وملح الخديعة المعفر وخبز الآثام؟؟ !

ولأن الطاقة على استعاب حاضره والآتي .لا تفي بكل هذه الأثقال، بعدما أغلقت في وجهه الظروف كل منافذ النجاة ، هاهو يبدو كمن يحاول الغرق انتحارا في رواكد ماضيه ؟ ! ولكن الإنسان داخله لم يمت غرقا وتشبث بالهامش، حيث كان الصخب يقذف بأحلام الشعب نحو عنف الأحداث،

شعب الأحلام مر من هنا ، من على هذه الربوة ، وهو اقتفى أثره ، حمل معوله وبدأ الزرع ، زرع الحلم فهاج أحلاما، بالمقابل كانت الغوغاء  مجتمعة ، وكان الدم الذي ساح وتدفق غزيرا في كل مكان؟ ! وهو ظل كما هو دائما يخاف الدم خشية أن يستمر المشهد وتألفه الأحلام؟؟

طيب.. لقد عانى  وحيدا وكافح وحيدا وظل يثابر، فهل تراه يغير مشهد الدم ويلقى ليلا ه ، هل ترحمه المقبرة حين لن يعود في حاجة لا اتباع خيط دم مراق !!

الماء لا زال ينساب عبر الشق الطويل  والحشائش تلٌف الشطوط المعروضة للتبصر. التحدي الممكن يستعطف سهيته لا اختزال البوح برحابة صدر، تناما الحب شطئانا من الألم وهو طول هذا الزمن يغيب ، ومن الناس من يقول أنه هرب طمعا في البقاء وتلك قصة أخرى سترويها ليالي السهاد، إنما غيابه كان البحث عن أرض التفاح الجبلي، هي التي وحدها لا تتغير.. أقصد أرض المهد الأول التي يجلس على تربتها الآن؟

 

الصواعد والنوازل لا تزال طبيعية بداخله تماما كما هي داخل ((الكهوف العجيبة)) حيث قضى صيفه متأملا  توازنه المستمر ، مثلما  الدهشة استمرارا لا متناهيا على وجوه أطفال الشمس الذين حضروا لأول مرة عرس الماء، فتشبثوا بمشاكسة البحر؟ !

أنحدر الماء عبر الشق الطويل الضيق وانصب تحت علو الصخر محدثا لبعض الألم الموسيقي  الغريب، لحن ظل يفتقده لسنين، هو لا يقول ، لا يرن ولا يٌعزف إلا هنا على هذا الارتفاع الشاهق اللذيذ !!

 

الله.. أزهار الوادي أسفل غابة الفلين تعانقت وهذا الشذا الأسطورة يغمره فيحيله إلى أثنى عشر سنة خلت ويحطه داخلها ليعش لحظة ماض اندثر؟ !

الماء في الوادي تردد صدى خريره ترسبات كلسية أحدثها الزمن ، فجر الأرض فأحدث الأخاديد والشعاب . وهذه بقايا التربة والصخور تردد صدى دفقان الماء وانصبابه بين الصخور الملساء، ناصعة البياض ، الرمادية والبنية الغارزة أوتادها في لحم التربة السخية المعطاء؟ !

من أمامه يمر الماء هادئا سلسا في تواصله عبر الشق الضيق والطويل ، الشمس خجلى أشعنها الصباحية وهي تنسل وئيدة وتحط رويدا على أشياء الريف الذي صار يملكه. سرب حمام يطير ويغيب في الفضاء الرحب ، كل شيء حيث هو، يمارس الحياة حرا إلاه ، تكبله الذكريات . المدينة السراب وزقاق الحيارى الطويل وما يحدث في هذا الضباب.. الماء يتواصل في عزم أكيد، عيناه صاحيتان حالمتان، دفئ ذلك الصباح الربيعي أخرج كبته فعمه بعض الهدوء وهاهي الشمس بدأت في قهر رطوبة الليل  وبرد الغبش ..الله يبتليه لأنه يمارس طقوس الإنسان الذي يحب ولا يعرف طريقا للغدر، وهو يعاقب نفسه ، يقهرها بالصبر؟؟ !

الإنسان وهو والصبر، ثالوث يحد من أفق رغباته ، وتجاويف تلك الصخور البنية تذب في عروقه أحاسيسها  قف؟؟؟  ماذا تسميه العشيرة لو هو كلمها عن إحساس الصخر وتفاصيل أشياء ذلك الريف الجميل. !!

الشق يمتد في الطول ويتعرج ليلتف حول الهضبة الصغيرة ، تماما كأفعى الأساطير القديمة، الهضبة تُشكلها الأحجار الهشة وتُغطيها أشجار الرمان والعليق وفاكهة التين الشوكي، تتعدد خلفه الزقزقات من وراء الهضبة لعصافير وجدت نفسها أخيرا طليقة ، لتكتشف سعادتها فجأة فأخذت في الغناء ، فرحة شرهة ترقُُص مشاكسة الماء حينا، وأحيانا ممارسة للعبة الحب، فهي سَكْرَى، مكسرةً للعادي ، مستحمة بماء الساقية الزلال الذي يمر أمامه عبر شق طويل ومتعرج ؟

 

عم الدفء وهاهي الذاكرة تحفل أكثر بأشيائه التي تعذب الذات وتعصر القلب، عيناها العسليتان ، النوم وهو يحورهما كحلا وود ؟؟

آ ه ليلى يا فاكهة  الخوخ الجبلي ، يامرأة ضيعته أعاصيرها؟؟

الماء يتواصل وحواشي الساقية تنز بالحنين وحمرة الحناء، الماء يغري تماما كالحياة، كليلى أرض التفاح ، نبع الشهد وشدا عسل النحل الجبلي الحر..إنها البهاء حين يفقسه الماء، كهذا اليقين كانت ، تصدح حنينا مثل عصافير الماء ، تفتح.. تطوى .. تتمدد مثل هذا العشب الطري الأخضر الكث؟؟

الساقية لا تجف والغياب يطول..

مهلا لا تبالغ في الفرح إنها مجرد صور لماض جميل وأنت ..

إنك في الخط الأخير الفاصل بينك والاستواء الأبدي قاعا صفصفا وداخلك يقر ، أن وجودك داخل هشاشة الزمن الأخير ليس مجرد خطأ .. زمن الخطيئة ليس لك .. ولكنه للدم للرذيلة للعار ، فاهرب أو اصنع زمنا آخر لا يقطع الرؤوس ، لا يبقر البطون ، لا يغتصب الطفولة والخبز؟؟ !

أنت وقلبك اللحم وللعشيرة طيش الوهن، فاهرب الآن فالزقاق كله ذكراها، ذكرى روحها التي فضت داخلك ألما يستعر؟

أرهبوها طفلتك ((يا رابح )) فرحلت وهذي لحظة خسوفها تعتصر ألمك فتحيلك أكثر على الماء المنحدر كالعناقيد الشتائية الباردة !!

نوار السوسن السابح تحمله التموجات الصغيرة للماء، تذهب به بعيدا ، تكوره أحيانا وأحيانا تلثمه بحنو، أنت بإنسانيتك تعرج في سماء الدهشة ، ومعك تحمل مملكة من جراح الإنسان الذي يعي؟؟

الألم يطغى على كيانك ، تصغي إلى الماء ،إلى خفقان السعادة واضحة على أجنحة السنونو وهي تكسر الماء بالماء ..

تدفق تحنانك إلى عناب الربوة ماثلة أمامك في كبرياء، تشعب الاشتهاء  في صدرك وأنت تضيع في موج أنفاسها، النبض والشوق يتواتران فيزدحم بمقلتيك أكثر غبش الاتحاد ! ؟

الراحلة أبدا لن تعود ، لن تهمس لك ، لن تناديك بتحبب ، ولكن الماء يتواصل، يصنع الرعشة الجلاء ويوقظ الحياة في هذي الوهاد..

رابح ..

رابح..

قم يا ولدي إنها ماتت ..

في تثاقل تقوم ، تتبع الشيخ المسن ، خطاكما ثقيلة ومتعبة، بجسدكما تلجان المقبرة وقد شيدتها آلاف الشواهد كل شاهد يروي حكاية.. بعد اجتيازكما للسياج الموحي بالموت تصعدان الهوينا.. في وسط المقبرة وعلى بعد عمر من لقائك الثاني بها ، حلقة مشتتة ، أصناف وأشكال لعدة ألوان بشرية شتى ، كلها تغرز أنظارها في الشق الممدود في إجلال.. لا شك وأنهم كلهم الآن قد تناسوا مؤقتا أحقاد الحياة وأضحوا مقتنعين بالمصير الواحد لجميع خلق الله؟؟ !  

تربة حمراء فاضت لتوها رائحتها تكتم الأنفاس تسيج الشق الممدد فاتحا وسطه لاحتضان الجسد الغريب.. (( أفسحوا يفسح الله لكم )) مسكين رابح.. وصل النعش وسيغيبون الجثة في فتحة القبر المتلهف.. يتقدم الرجال أربعة حاملين النعش الأبيض .. ود لو يرى وجهها لآخر مرة ولكن !!

الرأس لقد أخذوها إلى حيث لا أحد يدري.. صوت حازم يسكت عواطفه الباكية(( الرجاء الإسراع في ردم القبر ، هناك جسدان آخران؟؟ !

تمت.. جيجل 1998 أعيد صياغتها سنة 2008 للقاص محمود عيشونة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                                                                                                                     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



معلوماتي

صفحة البدايه
معلوماتي
الإدراجات السابقة
قائمة الاصدقاء
البوم صورك الخاصه

روابط

http://http://aichouna65.maktoobblog.com/

اقسام المدونه

القصص القصيرة
المقال السياسي
كتابات حرة

احدث الادراجات

شيىء من القلب.. 1
بداية السقوط.. بقلم محمود عيشونة
أشواق عابرة للقاص: محمود عيشونة
الخبز المستحيل,,بقلم: محمود عيشونة
الراحلة..

قائمة الاصدقاء

seba2alroh